إخوان الصفاء
301
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
زائدها ، حتى يستقيم أمر الجسد على فطرته ، ويعتدل الشيء بأقرانه . « ثم صيّرت هذه الأخلاط التي ركّبت عليها الجسد فطرا وأصولا عليها تبنى أخلاق بني آدم ، وبها توصف ، فمن التراب العزم ، ومن الماء اللين ، ومن الحرارة الحدّة ، ومن البرودة الأناة . فإن مالت به اليبوسة وأفرطت ، كانت عزمته قساوة وفظاظة ؛ وإن مالت به الرطوبة ، كان لينه توانيا ومهانة ؛ وإن مالت به الحرارة ، كانت حدّته طيشا وسفاهة ؛ وإن مالت به البرودة ، كانت أناته ريثا وبلادة ؛ وإن اعتدلت وكنّ سواء ، اعتدلت أخلاقه واستقام أمره ، وكان عازما في أناته ، ليّنا في عزمه ، هادثا في لينه ، متأنّيا في حدّته ، لا يغلبه خلق من أخلاقه ، ولا تميل به طبيعة من أخلاطه عن المقدار المعتدل ، من أيّها شاء استكثر ، ومن أيّها شاء قلّل ، وكيف شاء عدل . « ثم نفخت فيه من روحي وقرنت بجسده نفسا وروحا : فبالنفس يسمع ابن آدم ويبصر ويشمّ ويذوق ويلمس ويحسّ ويأكل ويشرب وينام ويقعد ويضحك ويبكي ويفرح ويحزن ؛ وبالروح يعقل ويفهم ويدري ويتعلّم ويستحي ويحلم ويحذر ويتقدم ويمنع ويتكرّم ويقف ويهجم ؛ فمن النفس تكون حدّته وخفّته وشهوته ولعبه ولهوه وضحكه وسفهه وخداعه ومكره وعنفه وخرقه « 1 » ؛ ومن الروح يكون حلمه ووقاره وعفافه وحياؤه وبهاؤه وفهمه وتكرّمه وحذقه وصدقه ورفقه وصبره ، فإذا خاف ذو اللّب أن يغلب عليه خلق من أخلاق النفس ، قابله بضدّه من أخلاق الروح ، وألزمه إياه فيعدّله به ويقوّمه ، فيقابل الحدّة بالحلم ، والخفّة بالوقار ، والشهوة بالعفاف ، واللعب بالحياء ، واللهو بالبهاء ، والضّحك بالهمّ ، والسّفه بالكرم ، والخداع بالشجاعة ، والكذب بالصدق ،
--> ( 1 ) الخرق : الحمق ، وسوء التصرف في الأمور .